كشف الكاتب محمد بازي، كاتب العمود في «الجارديان» الأمريكية ومدير مركز هاجوب كيفوركيان لدراسات الشرق الأدنى وأستاذ الصحافة بجامعة نيويورك، أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يواجه درسًا قاسيًا، بعدما رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاستجابة لمناشداته للتدخل عسكريًا ضد الحوثيين في اليمن، رغم الاستثمارات السعودية الضخمة في الولايات المتحدة والعلاقات الوثيقة التي تجمع الجانبين.
وبحسب مقال رأي نشرته صحيفة «الجارديان»، تكشف التطورات الأخيرة أن السعودية وغيرها من دول الخليج العربية لا تستطيع الاعتماد على واشنطن لحمايتها، حتى بعد إنفاق عشرات المليارات من الدولارات على شراء الأسلحة الأمريكية واستضافة القواعد العسكرية. ويرى بازي أن رفض ترامب الانخراط في المواجهة بين السعودية والحوثيين قد يكون أحد أفضل قرارات السياسة الخارجية خلال ولايته الثانية، لكنه يحذر من تصاعد الصراع على نحو خطير، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية على إيران.
الاستثمارات السعودية لم تضمن الحماية الأمريكية
حرص ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لسنوات على بناء علاقة وثيقة مع ترامب وصهره جاريد كوشنر، مستشاره السابق، مستفيدًا من نهج الرئيس الأمريكي القائم على الصفقات والمصالح المباشرة. وبعد أيام من عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، تعهد بن سلمان بزيادة الاستثمارات والتجارة مع الولايات المتحدة بقيمة 600 مليار دولار على مدى أربع سنوات، قبل أن يرفع تعهده لاحقًا إلى ما يقارب تريليون دولار، رغم عدم وضوح كيفية ضخ المملكة مبلغًا يقترب من إجمالي ناتجها المحلي السنوي في اقتصاد أجنبي خلال سنوات قليلة.
وخلال زيارته واشنطن في نوفمبر الماضي، أبرم ولي العهد اتفاقًا للتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة، ووقّع صفقة لشراء عشرات المقاتلات الشبحية من طراز «إف-35»، التي تُعد من أكثر الطائرات الحربية الأمريكية تطورًا. وخلف هذه الصفقات، توقع الحاكم الفعلي للسعودية أن تدافع واشنطن عن المملكة إذا تعرضت لهجوم، كما فعلت في السابق.
لكن بن سلمان، شأنه شأن قادة دول الخليج النفطية الذين أنفقوا مليارات الدولارات لاسترضاء ترامب، يتعلم درسًا قاسيًا: لا تراهن على أن ترامب سيحميك.
وخلال الصيف، أعادت الحرب التي شنها ترامب على إيران إشعال الصراع المستمر منذ سنوات بين السعودية وجماعة الحوثيين في اليمن. ومع تصاعد هجمات الحوثيين على الأراضي السعودية وحلفاء المملكة اليمنيين، اتصل ولي العهد بترامب عدة مرات خلال سبتمبر، مطالبًا بشن غارات جوية أمريكية على الجماعة المتحالفة مع إيران.
وحتى الآن، قاوم ترامب مناشدات بن سلمان، متجنبًا جر القوات الأمريكية إلى المواجهة بين الحوثيين والسعودية، وهو قرار يصفه بازي بأنه من أفضل قرارات السياسة الخارجية خلال ولاية رئاسية ثانية كارثية في جوانب أخرى.
لكن الصراع يتصاعد على نحو خطير. ففي 10 أكتوبر، أطلق الحوثيون صاروخًا جوالًا باتجاه المطار الدولي في العاصمة السعودية الرياض، ما أسفر عن مقتل 13 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 300 آخرين.
وعندما سأل صحفيون ترامب في واشنطن، عقب الهجوم، عما إذا كان سيصبح أكثر استعدادًا لإصدار أوامر بشن ضربات أمريكية على المتمردين اليمنيين، لم يقدم إجابة حاسمة، وقال إن إدارته قد تنفذ ضربات وإنها ستدرس الأمر، مضيفًا أنها علمت للتو بالهجوم الأخير وستتخذ قرارًا بشأنه.
تداعيات الحرب على إيران تضغط على ترامب
تمثل المواجهة بين الحوثيين والسعودية أحدث دليل على أن قرار ترامب مهاجمة إيران قد يدفع المنطقة إلى صراع إقليمي يصعب التنبؤ بمساره، وهو ما حذر منه خبراء في شؤون الشرق الأوسط وبعض مسؤولي الاستخبارات الأمريكية. كما تكشف الأزمة أن السعودية ودول الخليج العربية الأخرى لا تستطيع التعويل على إدارة ترامب لحمايتها، حتى بعد إنفاق عشرات المليارات من الدولارات لشراء الأسلحة الأمريكية وإنشاء قواعد عسكرية أمريكية، تعرض بعضها لدمار واسع جراء الهجمات الإيرانية خلال الأشهر السبعة الماضية.
ويضع رفض ترامب شن هجمات على الحوثيين بن سلمان في موقف محرج على نحو خاص، إذ ضخ السعوديون مليارات الدولارات في شركة كوشنر للاستثمار المباشر وفي مجموعة ترامب، الشركة العائلية للرئيس الأمريكي. ومع ذلك، لا تحصل الرياض حاليًا سوى على دعم أمريكي فاتر في مواجهة المتمردين اليمنيين.
ويبدو أن ترامب يخشى توسيع الدور الأمريكي في حرب إقليمية لا تحظى بشعبية بين الأمريكيين، بما في ذلك قطاعات من قاعدته الانتخابية «ماغا»، التي صدقت وعوده المتكررة بعدم إشعال حروب جديدة. كما أدت الحرب مع إيران إلى ارتفاع أسعار البنزين ومصادر الطاقة الأخرى، ما دفع معدل التضخم الأمريكي إلى 3.7% في سبتمبر، قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي التي يواجه فيها الجمهوريون غضبًا واسعًا بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان ترامب سيواصل مقاومة الضغوط لشن غارات جوية على الحوثيين بعد انتخابات الشهر المقبل، التي قد تمنح الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونجرس. فإذا واصل الحوثيون استهداف البنية التحتية السعودية واستولوا على مزيد من الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية المتحالفة مع الرياض، فقد يتعرض ترامب لضغوط متزايدة للتدخل، سواء من السعوديين أو من الجمهوريين المتشددين. وبعد الانتخابات، قد يصبح أقل تقيدًا بالمخاوف من توسيع الحرب مع إيران قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع.
ومن جانبه، قد يزيد بن سلمان، الذي يعاني تداعيات الحرب على صادرات النفط السعودية، الضغط على ترامب عبر التهديد بحجب الاستثمارات السعودية عن الاقتصاد الأمريكي وشركات عائلة الرئيس. ويرى بازي أن هذا الاحتمال يكشف خطر أسلوب ترامب القائم على الصفقات والمصالح الشخصية، إذ قد تتراجع المصالح الأمريكية أمام حكام أثرياء يسعون إلى استغلال علاقاتهم بالرئيس من خلال مشروعاته التجارية الواسعة.
وفي هذه الحالة، لا تقتضي المصالح الأمريكية قصف أحد طرفي النزاع لمصلحة الطرف الآخر، بل تقتضي دعم الدبلوماسية والعمل على خفض التصعيد بين الحوثيين والسعودية.
علاقة بن سلمان بترامب.. من الحماية السياسية إلى خيبة الأمل
بدأ بن سلمان بناء علاقته بترامب ومستشاريه المقربين، وعلى رأسهم كوشنر، خلال الولاية الرئاسية الأولى. ففي مايو 2017، خالف ترامب الأعراف واختار السعودية لتكون المحطة الأولى في أول جولة خارجية له بصفته رئيسًا. وأدرك السعوديون أن ترامب يستجيب للإطراء، فأقاموا له مآدب فاخرة في قصور مذهبة ومنحوه أعلى وسام مدني في المملكة.
وفي ذلك الوقت، كان بن سلمان يعزز سلطته بوصفه الحاكم الفعلي للمملكة في ظل والده الملك سلمان، الذي تدهورت حالته الصحية. وكان ولي العهد قد أشرف أيضًا على سلسلة من السياسات الإقليمية المدمرة، من بينها التدخل العسكري الذي قادته السعودية في اليمن عام 2015، ثم حملة الحصار التي استهدفت قطر، جارة المملكة الصغيرة.
وأثبت ترامب وكوشنر أنهما حليفان مهمان للأمير الشاب الطموح. ففي أكتوبر 2018، اغتالت مجموعة مكونة من 15 شخصًا الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وقطعت جثته باستخدام منشار عظام.
وسرعان ما خلصت أجهزة الاستخبارات الأمريكية إلى أن بن سلمان أمر بقتل خاشقجي، لكن ترامب حمى ولي العهد من العقوبات الأمريكية والضغوط التي مارسها أعضاء غاضبون في الكونجرس.
وبعد سنوات، وجد بن سلمان طريقة لرد الجميل لترامب. ففي يناير 2021، اقتحم حشد من أنصار ترامب مبنى الكونجرس الأمريكي في محاولة لإلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية، ما دفع بنوكًا أمريكية وشركات كبرى إلى الابتعاد عن مجموعة ترامب. لكن السعودية واصلت دعم الرئيس السابق خلال فترة خروجه من السلطة، عبر إبرام صفقات عقارية وشراكات جديدة في مجال الجولف، ساعدت أعمال عائلته خلال واحدة من أضعف مراحلها.
وبعد الجدل الواسع الذي أثاره اغتيال خاشقجي، ابتعد بن سلمان عن الولايات المتحدة سبع سنوات، إلى أن عاد ترامب إلى الرئاسة ودعاه إلى واشنطن في نوفمبر الماضي. واستقبل ترامب ولي العهد بحفاوة في البيت الأبيض، وأقام مأدبة غداء بحضور كبار مسؤولي إدارته، كما نظم عشاء رسميًا بملابس السهرة جمع مسؤولين تنفيذيين ورجال أعمال سعوا إلى جذب استثمارات جديدة من صندوق الثروة السيادي السعودي، الذي يخضع لسيطرة ولي العهد.
ولم تقتصر الحفاوة على الاستقبال والصفقات؛ إذ دافع ترامب عن بن سلمان عندما سأله صحفي عن مقتل خاشقجي، الذي كان مقيمًا دائمًا في الولايات المتحدة وكاتبًا مساهمًا في صحيفة «واشنطن بوست». وقال ترامب إن كثيرين لم يحبوا الصحفي الذي يتحدث عنه السائل، ثم أضاف أن «أمورًا تحدث»، مؤكدًا أن ولي العهد «لم يكن يعلم شيئًا» عن عملية الاغتيال، رغم أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية توصلت خلال ولايته الأولى إلى استنتاج معاكس.
أمضى ترامب سنوات في الدفاع عن حليفه السعودي وحمايته، لكنه يواجه الآن خطر توسيع التدخل الأمريكي في حرب إقليمية مدمرة لمساعدة بن سلمان. وتكشف الأزمة أن الاستثمارات السعودية الضخمة وعلاقة ولي العهد الوثيقة بالرئيس الأمريكي لا تضمنان حصول المملكة على الحماية التي تتوقعها من واشنطن.
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/oct/19/saudi-arabia-trump-relationship

